الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

29

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العير ، وراموا اللحاق بالعير واعتذروا بضعف استعدادهم وأنهم يخرجوا لمقاتلة جيش ، وكانت العير لا تشتمل إلا على أربعين رجلا وكان النفير فيما قيل يشتمل على ألف رجل مسلّح ، فذلك معنى قوله تعالى : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ أي تودون غنيمة بدون حرب ، فلما لم يطمعوا بلقاء الجيش وراموا لقاء العير كانوا يودون أن تحصل لهم غنيمة العير ولعل الاستشارة كانت صورية ، أمر اللّه بها نبيّه لتثبيت المسلمين لئلا تهن قوتهم النفسية إن أعلموا بأنهم سيلقون ذات الشوكة . وقوله : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ عطف على جملة وَتَوَدُّونَ على احتمالي أن واوها للعطف أو للحال ، والمقصود من الإخبار بهذه الجمل الثلاث إظهار أن ما يودونه ليس فيه كمال مصلحتهم ، وأن اللّه اختار لهم ما فيه كمال مصلحتهم ، وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فإنهم لم يطّلعوا على الأصلح بهم . فهذا تلطف من اللّه بهم . والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة التي هي صفة الذات . فهذا كقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] أي يسّر بكم . ومعنى يُحِقَّ الْحَقَّ : يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال : حق الشيء ، إذا ثبت قال تعالى : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ [ الزمر : 19 ] . والمراد بالحق . هنا : دين الحق وهو الإسلام ، وقد أطلق عليه اسم الحق في مواضع كثيرة من القرآن كقوله : حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [ الزخرف : 29 ] الآية . وإحقاقه باستيصال معانديه ، فأنتم تريدون نفعا قليلا عاجلا ، وأراد اللّه نفعا عظيما في العاجل والآجل . واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون . وفي قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ جناس الاشتقاق . وفيه دلالة على أن أصل مادة الحق هو فعل حق . وأن أصل مادة الباطل هي فعل بطل . ونظيره قول النبي صلى اللّه عليه وسلم للذين قالوا في التشهد السلام على اللّه فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن اللّه هو السلام . وكلمات اللّه ما يدل على مراده وعلى كلامه النفسي ، حقيقة من أقوال لفظية يخلقها خلقا غير متعارف ليفهمها أحد البشر ويبلغها عن اللّه ، مثل القرآن ، أو مجازا من أدلة غير لفظية ، مثل ما يخاطب به الملائكة المحكي في قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [ سبأ : 23 ] وفسره قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم